في العلا، حين يصغي الإبداع إلى المكان

في العلا، يعاد النظر في التراث من خلال مساحاته اليومية، حيث يوظّف الإبداع والعمل المجتمعي لإحياء الأزقة والأماكن الانتقالية، وتعزيز فهم التراث ككيان حي يدعم الاستدامة والهوية المحلية.

Make Tofu Not War, 2018, Goshka Macuga © The Artist. Courtesy of the Artist and Kate McGarry London. Photo © British Council
Photo by Sustainable Conservation Trust

في العلا، يتجلى التراث في نسيج الحياة اليومية، لا من خلال المعالم الأثرية الكبرى فحسب، بل أيضًا عبر المساحات الأصغر التي كثيرًا ما يتم تجاوزها، والتي أسهمت عبر الزمن في تشكيل طرق الحركة والتفاعل والتواصل داخل المجتمع.

وفي إطار برنامج تبادل ثقافي أوسع، مدعوم من خلال برنامج منح العلا، طوّرت مؤسسة الحفاظ المستدام مشروعًا يستكشف سبل إعادة إحياء هذه المساحات اليومية عبر الإبداع والبحث والمشاركة المجتمعية. وقد قُدّمت هذه المنحة من قبل المجلس الثقافي البريطاني بالشراكة مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا.

ركز المشروع على الأزقة التاريخية والمساحات الحضرية الانتقالية، داعيًا إلى إعادة النظر في أماكن غالبًا ما يُمرّ بها دون توقف أو تأمل. فقد تحولت هذه المساحات، التي شكّلتها الذاكرة والحركة وروتين الحياة اليومية، إلى نقاط انطلاق لحوارات أوسع حول التراث والهوية والانتماء.

وفي صميم هذا العمل برز التركيز على الإصغاء إلى المكان. فبدلًا من فرض سرديات جديدة، انطلق المشروع من مراقبة كيفية استخدام هذه المساحات وتذكّرها وتقديرها عبر الزمن. وهكذا، أصبحت الأزقة والساحات والمساحات الانتقالية منصات لسرد القصص، والتعلّم، والتأمل المشترك.

وكان العمل مع المجتمعات المحلية عنصرًا أساسيًا في هذا النهج، لفهم الكيفية التي اختُبرت بها هذه المساحات عبر الأجيال. فمن خلال الجولات، والنقاشات، وأشكال المشاركة الإبداعية، أتاح المشروع المجال لإبراز القصص الشخصية والمعرفة المحلية، واضعًا التجربة المعيشة في صميم مقاربات تفسير التراث.

وبدلًا من النظر إلى الحفاظ على التراث بوصفه عملية تقنية بحتة، قدّمت المبادرة تصورًا للتراث ككيان حي ومتطور. إذ لعب الإبداع دورًا محوريًا، لا بوصفه عنصرًا تجميليًا، بل كوسيلة للإصغاء إلى المكان، والتفاعل معه، وإعادة التفكير فيه. ومن خلال تشجيع الأفراد على التفاعل مع بيئات مألوفة بطرق جديدة، فتح المشروع حوارات حول سبل الحفاظ على صلة التراث بالحياة المعاصرة.

ويعكس هذا النهج فهمًا أشمل للاستدامة، يتجاوز البعد المادي ليشمل الاستمرارية الاجتماعية والثقافية. فدعم الممارسات الإبداعية المحلية يسهم في ضمان بقاء التراث ذا معنى، ومحل رعاية، ومرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالمجتمعات التي ينتمي إليها.

ومن خلال مبادرات كهذه، تواصل العلا إبراز كيف يمكن للتعاون الدولي، عندما يكون متجذرًا في السياق المحلي، أن يدعم تنمية ثقافية مدروسة وشاملة. ومن خلال الجمع بين الحفاظ على التراث، والإبداع، وأصوات المجتمع، يقدّم المشروع نموذجًا لإعادة تصور التراث اليومي، لا كشيء جامد ينتمي إلى الماضي، بل كجزء حي من مستقبل مشترك ومتجدد.

انظر أيضًا